حسن الأمين

88

مستدركات أعيان الشيعة

عشر سنين ، لم يشكوا البتة في حدوثه في كل سنة تكون من بعد ، وإذا كان هذا مقدار ما يقع في النفس من هذا المعنى ، فما ترى يكون فيما لم يشاهد قط إلا على ذلك الوجه ؟ « ( 1 ) كالمثل الذي أسلفناه لاستدلال المستدل بان ليلتنا هذه ستنفرج عن يوم ؟ - هذا ما يقوله ابن حيان ، ولا بد هنا من تنبيه القارئ بقوة إلى نقطتين وردتا في كلامه هذا ، يقربانه من رجال المنهج العلمي في العصور الحديثة ، أولاهما إشارته إلى ميل النفس البشرية إلى توقع تكرار الحادثة التي حدثت ، فكأنما الاستدلال الاستقرائي مبني على استعداد فطري في طبيعة الإنسان ، وإنك لترى هذا المبدأ نفسه عند جون ستيوارت مل ، والنقطة الثانية هي كون درجة احتمال التوقع تزداد كلما زاد تكرار الحدوث ، وهي نظرية لها اليوم تفصيلات كثيرة ولا يتسع المقام هنا للإطناب في الشرح والتعليق . ويضرب لنا جابر مثلا على استخدام الطريقة الاستقرائية السالف ذكرها - وهي الطريقة التي يوصل فيها إلى التعميم عن طريق اختبار عدد من الأمثلة الفردية المنتمية إلى النوع الذي نعمم الحكم على جميع أفراده - أقول إن جابرا يضرب لنا مثلا على استخدام هذه الطريقة في البحوث العلمية التي وقعت فعلا في تاريخ العلم ، والمثل الذي يضربه هو جالينوس ( 2 ) فيقول عنه : إن جالينوس مع تمكنه من العلم ، وتدربه في النظر ، قد أخذ المقدمات التي بنى عليها علمه ، من الأمثلة الفردية التي وقعت له في خبرته ، ثم جعل هاتيك المقدمات بمثابة المبادئ الأولية العقلية التي يلزم قبولها ، حتى إنه قال في كتابه البرهان : إن من المقدمات [ الأولة ] الأولية في العقل أنه إذا كان الصيف يتبعه الخريف لا محالة ، فإنه لم يكن إلا بعد خروج الربيع ، ويريد جالينوس بهذا أن يقول : إن تسلسل الأحداث كما يقع في المشاهدة حينا بعد حين ، يصبح قانونا مطردا يمكن الحكم على أساسه ، حكما لا يتقيد بزمان ، وهاهنا يستطرد جابر في الحديث موجها النقد إلى جالينوس على نحو يشهد لجابر بدقة علمية منهجية ليس بعدها دقة ، إذ يقول : « وأنا أحسب أن هذه المقدمة ( مقدمة أن الخريف إذا كان يعقب الصيف حتما ، فما ذلك إلا لأن الصيف قد سبقه ربيع ) ليست بصحيحة دون أن يصح أن الأزمان لم تزل ولا تزال على مثل ما هي عليه ، فإذا لم يصح ذلك فإنه لا يؤمن أن يكون صيف لا يعقبه خريف ولم يتقدمه ربيع » ( 3 ) ومراد جابر بهذا القول هو أن تعاقب الفصول في المشاهدة وحدها لا يضمن لنا سلامة الحكم العام بتعاقبها دائما ، إلا إذا كان في رؤوسنا فرض سابق مضمر ، وهو أن الزمن أزلي لم تكن له بداية ولن تكون له نهاية ، وهذا الفرض بطبيعة الحال ليس مستمدا من المشاهدة ، وإنما هو أولي في العقل ، وبغير هذا الفرض السابق ، لا يجوز الحكم الحتمي اليقيني الضروري بان هذا الصيف سيسبقه خريف ، إذ قد يكون هذا الصيف هو آخر الزمان ، كما أنه لا يجوز الحكم بان صيفا ما في الماضي قد جاء حتما بعد ربيع ، إذ ربما كان ذلك الصيف أول الزمان ولم يسبقه شيء . وما يصدق على هذا المثل يصدق على أمثلة أخرى كثيرة ، فهل يجوز منهجيا - مثلا - أن أحكم على عالي الأفلاك بأنه هكذا كان دائما ، ما دمت أنا وآبائي وجميع القدماء لم يزالوا يرونه مطردا على هذه الصورة التي نراها ، « فقد رصد المنجمون قبل ألوف السنين ، فوجدوه على مثال واحد في إعظامه ( أبعاده وأحجامه ) وحركاته » ( 4 ) ؟ كلا ، لا يجوز لنا ذلك إلا على سبيل الاحتمال المرجح لا على سبيل الضرورة واليقين ، إذ من أدرانا ألا يكون هذا الكون مسبوقا بحالة تختلف عن الحالة المشاهدة ، بل من أدرانا ألا يكون الكون مسبوقا بشيء على الإطلاق ؟ وخذ مثلا آخر : هل يجوز لنا من الوجهة المنهجية أن نقول إنه ما دام الآدميون هم على الصورة التي نراها ، فمحال على إنسان أن يجيء على غير هذه الصورة ؟ كلا ، فليس هذا الحكم في وسعنا ما دامت خبرتنا مقصورة على بعض العالم دون بعضه ، وعلى فترة محدودة من الزمن دون بقية الزمن « فإنه قد يمكن أن يكون موجودات مخالف حكمها في أشياء حكم ما شهدنا وعلمنا ، إذ كان التقصير عن إدراك جميع الموجودات لازما لكل واحد منا » ( 5 ) . وبعد هذه الأمثلة التي يسوقها جابر ، ينتهي بنا إلى المبدأ العام ، وهو أنه : « ليس لأحد أن يدعي بحق أنه ليس في الغائب إلا مثل ما شاهد ، أو في الماضي والمستقبل إلا مثل ما في الآن ، إذ كان مقصرا جزئيا ، متناهي المدة والاحساس ، وكذلك لا ينبغي أن يستدل الإنسان على أن العالم لم يزل ( - أزلي ) من أنه لم يدرك أحد من الناس ابتداء كونه ، ولا على أنه لم يكن رجل إلا عن امرأة ورجل ، لأنه لم يدرك الأمر إلا كذلك ، من قبل أنه يمكن أن يكون وجود الناس متأخرا عن ابتداء كون العالم ، وأن يكون كون الإنسان الأول مخالفا لما عليه الأمر في تكوين سائر الناس . . . » ( 6 ) . وأحسب أن جابرا قد صور بهذه الفقرة السالفة حدود المنهج التجريبي أدق تصوير ، فمن المشاهد لا يجوز الحكم على ما لم يشاهد على سبيل الاحتمال ، لا علي سبيل اليقين ، لكنه إذا لم يكن من الجائز القطع بوجود الغائب على أساس الحاضر المشاهد ، فكذلك ليس من الجائز إنكار وجود الغائب ما دام هذا الغائب لم يقع في نطاق الخبرة والمشاهدة ، وإلا لا نحصر الإنسان في حدود حسه هو ، أو في حدود ما تناهى إليه خبره ، ولزمه أن ينكر وجود أشياء كثيرة وهي موجودة ، ففي العالم بلدان وأمم لم يحس أهلها بالتمساح قط ، إذا أخبرهم مخبر بان ثمة حيوانا يحرك لحيته العليا عند المضغ ، وجب عليهم أن ينكروا الخبر ما داموا لم يشهدوا حيوانا كهذا ؟ كلا ، « فليس لأحد أن يدفع ويمنع وجود ما لم يشاهد مثله ، بل إنما ينبغي له أن يتوقف عن ذلك حتى يشهد البرهان بوجوده أو عدمه » ( 7 ) وأما أن يحكم الإنسان بعدم وجود شيء ما دام لم يرد عليه أو يخبر به ، وأن يحكم ببطلان ما

--> ( 1 ) نفس المصدر ، ص 419 - 420 . ( 2 ) طبيب من أبوين يونانيين ، عاش بين عامي 130 - 200 ميلادية تقريبا . وقد ظل هو الحجة في الطب حتى القرن 16 . ( 3 ) كتاب التصريف ، مختارات كراوس ، ص 420 . ( 4 ) المصدر السابق ، ص 421 . ( 5 ) المصدر السابق ، ص 421 . ( 6 ) المصدر السابق ، ص 422 . ( 7 ) المرجع السابق ، ص 423 .